محمود سالم محمد
152
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
ومنهم من يقول : إنه مشتق من الصفاء ، أساس عقيدتهم القائمة على الصفاء الروحي في علاقتهم مع خالقهم . وحين رأى المتصوفة ما يتقوّل به الناس عليهم ، انبرى بعضهم لتصحيح الفكرة الخاطئة عنهم ، وأعادوا طريقتهم إلى أصولها الإسلامية ، وأوضحوا أنها خلاصة العبادة المفروضة على المسلمين ، وقالوا : « التصوف علم انقدح في قلوب الأولياء ، حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة ، وهو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة » « 1 » . فهم يؤكدون أنهم يعملون بروح الشريعة لا ظاهرها ، ولذلك لا يقدّر من لا يرى رأيهم ما يفعلونه ، وقد لا يفهم ما يقولونه ، فيفسره تفسيرا بعيدا عن المقصود منه ، ولهذا أوضح كتّابهم أن « طريق القوم مشيّدة بالكتاب والسنة ، وأنها مبنية على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء ، وبيان أنها لا تكون مذمومة إلا إن خالفت صريح القرآن أو السنة أو الإجماع لا غير » « 2 » . لكن ذلك كله لم يذهب الشكوك عن المتصوفة ، وظل الفقهاء المتشددون يهاجمونهم ، وينظرون إليهم بريبة ، بسبب تصرفاتهم ، وبسبب ما ينسبونه لأنفسهم من كرامات ، مما جعل إحدى فرقهم وهي الملاماتية ، تدعو إلى ستر كرامات الأولياء ، وهذه الفرقة قامت طريقتها على لوم النفس وإساءة الظن بها لكشف خباياها ، ولذلك داوى أتباعها ميل النفس إلى المعاصي بالإعراض عنها ، وتأديبها بمخالفتها . وقد فرقت هذه الفرقة بين كرامة الولي ومعجزة النبي حتى لا يساء الظن بالمتصوفة ، وذهبت إلى أن « الرسل مضطرون إلى الظهور بمعجزاتهم ، لكي تتأيد بها دعواهم ، ويتيسر بها سبيلهم إلى تبليغ رسالاتهم ، أما الأولياء ، فليسوا في حاجة إلى هذا التأييد . . ولهذا كان ظهور النبي بالمعجزة كمالا وظهور الولي بالكرامة نقصا » « 3 » .
--> ( 1 ) الشعراني : لواقح الأنوار 1 / 5 . ( 2 ) المصدر نفسه : 1 / 4 . ( 3 ) عفيفي ، أبو العلاء : الملاماتية والصوفية ص 64 .